منير سلطان
105
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
النظم البديع ، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب ، على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه ، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به عن الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف لأنهم لم يتحدّوا إليه ولم تلزمهم حجته . فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله ، علم أن ما ادعاه القائل بالصّرفة ظاهر البطلان « 1 » ولو كانت المعارضة ممكنة ، وإنما منع منها الصرفة ، لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون المنع هو المعجز ، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه « 2 » . ويشرح الباقلاني مفهوم الإعجاز والمعجز عنه ، قائلا : معنى قولنا « إن القرآن معجز » على أصولنا ، أنه لا يقدر العباد عليه ، وقد ثبت أن المعجز الدال على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لا يصح دخوله تحت قدرة العباد ، وإنما ينفرد اللّه تعالى بالقدرة عليه ، ولا يجوز أن يعجز العباد عما تستحيل قدرتهم عليه ، كما يستحيل عجزهم عن فعل الأجسام ، فنحن لا نقدر على ذلك . وإن لم يصح وصفنا بأنا عاجزون عن ذلك حقيقة . وكذلك معجزات سائر الأنبياء على هذا ، فلما لم يقدر عليه أحد شبّه بما يعجز عنه العاجز ، إنما لا يقدر العباد على الإتيان بمثله لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز ، وقد أجرى اللّه العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم ، وأن لا يقدروا عليه ، ولو كان غير خارج عن العادة لأتوا بمثله ، أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه ، فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم وأساليب نظامهم وزالت أطماعهم عنه « 3 » . فحقيقة إعجاز القرآن عند الباقلاني ، أنه لا يقدر عليه العباد لأنهم لو قدروا عليه لبطل الإعجاز ، وقد أجرى اللّه أن يتعذر فعل ذلك منهم ، بينما وجدنا القاضي عبد الجبار في رفضه للصرفة يقول « أنا نقول إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك لم
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 29 . ( 2 ) نفس المصدر - 30 . ( 3 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 288 و 289 .